*******
وجود هذا الحيز ظاهرة ملاحظة حتى لدى الحيوانات التي توسع نطاقها الخاص بقضاء حاجتها ( اجلكم الله ) في نقاط دائرية أو اطلاق رائحة قوية تبقى هي في مركزها. والبشر بدورهم يستولون على الاماكن المحيطة بهم - ليس لحاجتهم إليها - بل لمنع الأغراب من البقاء فيها. وهذا التصرف نراه كثيرا في المتنزهات والشواطئ حين تحتكر عائلة صغيرة المقاعد المحيطة بوضع ترمس القهوة أو بساط مهمل لتوسيع نطاقها الحيوي
والغريب أكثر هو اكتشاف علاقة قوية بين مظاهر العنف واقتحام الدائرة الشخصية للأفراد. فكلما اقترب الأغراب من بعضهم البعض زاد التوتر وارتفع احتمال الشجار بينهم.. ومن الأسباب التي تجعل سكان المدن أكثر توترا وعصبية من سكان الأرياف هو اضطرارهم للتعامل من الانتهاكات اليومية لدائرتهم الشخصية؛ فهم يضطرون للالتصاق بالأغراب في المصاعد والطائرات والطوابير وعند إشارات المرور.. وحين يصلون الى العمل يضطرون للاقتراب من المراجعين والجلوس بقرب الزملاء وتحمل وقوف المدير خلفهم ممليا أو موجها
*******
هناك دراسة تفيد بأن حوادث العنف بين ركاب الدرجة السياحية في القطارات والطائرات تزيد بثلاثة أضعاف على ركاب الدرجة الأولى.. حيث لايحتاج المسافرون للتنازع على مقعد فارغ أو مكان للحقائب أو حيز للقدمين.. غير أن الوضع يختلف بالنسبة لأفراد العائلة ومن نحبهم من الناس.. حيث تتقاطع الدوائر الشخصية بلا نفور أو عدم الارتياح؛ فقطر دائرتنا الشخصية يقل كلما زادت علاقتنا ومحبتنا بالشخص المقابل وهي تكاد تنعدم بين الزوجين أو الوالدين وأبنائهما. غير أن الدوائر المنسجمة - بين أفراد العائلة مثلا - تقاوم بدورها أي دائرة غريبة تحاول التداخل معها.. ولابد أنك شخصيا مررت بموقف مشابه.. في المصعد مثلا.. حيث تكون أنت وزوجتك آخر انسجام حتى يقتحم دائرتكما رجل غريب.. ففجأة يسود الارتباك ويعم الصمت وتهيم الأبصار وتمر اللحظات ثقيلة حتى يخرج - أو تخرجوا -.. وموقف كهذا قد يحدث أيضا في الطائرة أو البنك أو أي مكان انتظار يضطر فيه الناس للالتصاق ببعضهم البعض
*******
في الأحوال العادية تمر هذه الانتهاكات بسلام؛ ولكن على المدى الطويل قد تصبح - بدون ان نشعر - مقدمة للعنف وظهور أسوأ خصال البشر. فحين يحشر الموظفون في مكان ضيق تسوء اخلاقهم ويقل تركيزهم. ويعترف حراس السجون ان السجين يظل مسيطرا على نفسه حتى يقترب منه الحراس للتفاهم معه.. وفي الرحلات الجوية قد يغضب أحد المسافرين ولكنه لايفقد السيطرة على نفسه الا حين يقترب منه المضيف لتهدئته أو الهمس بإذنه.. وفي المقابل ثبت ان المشاكل الزوجية تخف كثيرا بعد الانتقال لمسكن أوسع. كما تقل عصبية الاطفال ويصبحون أكثر تركيزا بعد خروجهم من نطاق الشقق الضيقة وهو مايذكرنا بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: أربع من السعادة: المرأة الصالحة والمسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنيء. وأربع من الشقاء: المرأة السوء والجار السوء والمركب السوء... والمسكن الضيق
عابـرون بلا أثـر
كنتُ ولا زلتْ أحلم بأن أكون شخصاً طيفيّ الأثر
أريد أن أكون مثل الطيفْ في حياة الآخرينْ
شيء خفيف يمر بسهولة
دون أن يترك أثراً بالغاً.. أو قاسياً.. أو حتى جميلاً مبالغاً فيه
أتمنى لو استطعت أن أقوم بدورِ العصفورْ
الذي يعبر الفضاءات أعلانا دون أن يترك أثرا فيها
ياله من محظوظ
*******
أخاف من العبور المفخّخ
أخاف منه.. وأحذره قدر استطاعتي
هناك من يعبر حياتنا عبوراً مفخخاًَ.. لاندري ساعة انفجاره
يعبرنا.. ويترك أثراً في حياتنا لا يمكن لأحد أن يمحوه
هؤلاء يرعبونني
يا ترى ما الأثر الذي نتركه حينما نعبر حياة آخرْ؟
بغض النظرْ من هو هذا الآخرْ؟
فربما يكون.. أخ، صديق، جار، زميل عمل، حبيبْ
وقد يكون زميل سفر أو دراسة أو شخص يقف بسيارته بجانبنا عند إشارة مرور
أي إنسان يترك أثرا فينا، سواء علم بذلك أم لم يعلم ؟
*******
هناك أناس نلتقيهم مرة في حياتنا
فرصة واحدة فقط تمنحنا إياها الحياة، لنعبرهم أو ليعبرونا
مرة واحدة فقط ليترك كل واحد منا أثراً في الآخرْ
ويا ترى أيّ أثرْ؟
هؤلاء لا يسمح لهم أو لنا بتكرار الخطأ
هي مرة واحدة فقط.. وتصرخ الحياة فينا
( Time is up )
معلنة انتهاء الوقتْ
هؤلاء لا يمكننا تعديل أخطاءنا معهم
ولا يمكنهم أيضا هم فعل ذلك معنا
إنها الفرصة الواحدة التي لا تتكرر
*******
بعض الأحيان تقف في مكان ما، فتجد إنسانا يدخلْ
يملأ المكان بطيبته.. بخفة روحهْ
وتشعر بحق أنه ترك فيك أثراً طيباً ، ورائعاً
ربما هذا الإنسان لم يتحدث معكْ.. ولا حتى مع أي أحدْ
ولكن حضوره يكون كافيا لترك أثر جميل
أو تدخل إلى مكان ما
وبنظرة عابرة
(scan)
تمر على من هم قبلك في المكان ذاته
فتكتشف أن أحدهم ينتظركْ.. رغم أنك لا تعرفه
ليترك فيك أثراً طيبا
بحركته.. بإيماءاته.. بابتسامته
أو حتى بحديثه مع الآخرين
*******
أخاف كثيراً من ترك الأثرْ
أخاف أن أترك أثراً ثقيلا على الآخرين
لا أدري لماذا أنا مهووس بهذا الأمر إلى حدّ الجنون
وأتساءلْ هل هذه حساسيّة تجاه الناس والأشياء.. والأفعال والتصرفاتْ
أم أنها محاولة لعدم السماح للآخرين باختراقي؟؟
وهلْ أنا بالفعل محصّنٌ ضدّ ذلك؟؟
أم أن المسألة لا تعدو كونها خدعةْ.. أو كذبة أخرى أعيشها؟
*******
أحياناً يترك فيك أحدهم أثراً يدفعك للسعادة طيلة يومكْ
وأحياناً أخرى يترك أيضا أحدهم أثرا فيك
فيدفعك للإحباطْ.. والانكفاء على نفسك
كم هو مخيف ترك الأثر هذا
*******
كنت ذات صباح في المستشفى
وفي صالة الانتظار كانت عجوز أمريكية
تنظر إليّ محدقة
أحسست بالارتباك في أول الأمرْ
ثم حاولت أن ابتسمْ
ثم حاولت ألا انظر إليها
وفجأة تقدمت نحوي.. قائلة.. ما إسمك؟
فأخبرتها بإسمي
فقالت: لقد كنت أنظر إليك لأن طريقة جلستك تشبه طريقة جلسة ابنتي
وصمتت قليلا
ثم قالت: لقد ماتت في حادث سيارة
لم استطع أن أرد عليها
ما الذي تقوله لإنسان يقول أنك تذكره بإنسانْ فقده
ثم أخرجتني هذه العجوز من حالة الذهول
وقالت: لقد تركتِ فيّ أثرا جميلا هذا اليوم
شكرا لأنك ذكرتني بطريقة جلستها المحببة إلى نفسي
لقد كانت تمتلئ حيوية ونشاطا
وختمت كلامها بقولها
( You made my day )
*******
أحيانا تأتيك مكالمة هاتفية
لا تستمر أكثر من دقيقتينْ
تشعر أن أثراً جميلا تسلل إلى داخلكْ
وأحياناً تمضي مع زميل عمل سنة كاملة
ولا يترك فيك أي أثر
أحيانا تهاتف أحدهمْ
وتعرف أن هذه المكالمة هي الأولى والأخيرة بالنسبة لك وله مع بعضكما
وأنت تتحدثْ معه تسأل نفسك أي أثر يتركه حديثك؟
وبعد المكالمة تكتشفْ أنك بحاجة لتحسس داخلك
لتـفـتـش عن الأثر الذي تركه
إن كان حقا قد فعل
*******
عبور طفل بجواركْ
سماعك لشيء جميلْ
تفتح زهرة على الرصيفْ
قراءتك لكلمة جميلة في كتابْ
قبلة تطبعها في بطن كف أحدهم.. وتقول له: خبّيها
كلها تترك أثرا في داخلنا و لكن بشكل متفاوت
*******
أعرفْ صديقاً ضحكته تفتنني
وتترك فيّ أثرا لا يستطيع أي أحد أن يصنع أثرا مثلهْ
أذكر أن أستاذاً في الجامعة درّسني
ترك فيّ أثراً لا زلت إلى الآن أذكره
بالرغم من أن تصرفه ذاك كان عفويا
ولم يكن يـقصد أي أحد بذاك التصرفْ
*******
مرة من المرات قلت لزميلة دراسة.. شكراً لكْ
فقالت: لماذا؟
قلت: لأنك تذكرني بإنسانيتي.. وتترك فيّ أثرا جميلا بأن الرهان الحقيقي هو على الإنسان الصادق
*******
كل شيء حولنا يترك أثراً فينا
ولكن أي أثر نتركه نحن؟
ونحن نعبر حياة الآخرين؟؟
أي أثر نتركه حينما ندخل مكانا
أو نتحدث مع أحدهم؟
أو نكتب في منتدى
أو حتى حينما تأتي سيرتـنا على لسان أثـنين يتحدثان؟؟
أي أثر نتركه ونحن نقف عند إشارة المرور؟
أو حينما نعبر ممرا في جامعة
أو نقف للتسوق من مكان ما؟
*******
ترك الأثر هو المهمة الأصعب في الحياة
وخصوصا إذا لم تكن أمامنا فرصة أخرى للتعويض
الاثنين, 28 يناير, 2008
لكل إنسان حيز دائري.. أو قطر حيوي.. يحيط بجسده ويتضايق حين يقتحمه الأغراب. وهذا الحيز نفسي وشخصي أكثر منه مادياً أو حقيقياً.. ويقدر قطره بين 40الى 120سم بحسب قوة علاقتنا بالشخص المقابل
*******
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








